شكيب أرسلان

152

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

راحتهم ، فلا أعلم ماذا كانوا يقدرون أن يصنعوا لي ، وجميع تلك العلل التي وقفت في طريق رقادي لم يكن مصدرها إعواز أسباب الرفاهة ، وإنما كان مصدرها الجو ، وما حيلتي وما حيلتهم هم في الفلك ؟ فارتميت على تلك الخشبة بدون وطاء سواها ، ولا غطاء سوى القميص ، وهكذا أمكنني قبيل الفجر أن أهّوم تهويما أشبه باليقظة منه بالمنام ، ولكن لم يصبح الصباح حتى قامت القيامة ، إذ استيقظ الجميع ، فرأوني على تلك الحالة ، فأخذوا يدوكون في الطريقة التي تلزم لأجل تمكيني من الرقاد ، وبهذه المذاكرات أطاروا ما كان بدأ من تهويمي ، ولأجل توفير راحتي سلبوا تلك البقية الباقية من راحتي ، وفي هذه الأثناء طلعت الشمس ، ليس من دونها حجاب ، لأنّي كنت على السطح كما قلنا ، وأنا لم أكن أقدر أن أنام في الظلّ ، ولا في العتمة ، فما ظنك في الشمس ، فنهضت برغم أنفي ، وأنا أقول : يا من يأتيني بخبر عن الكرى . وأخذ فؤاد بك يفكّر في الاستعدادات لمعركة الليلة الآتية ، وصاروا ينظرون في وجوه الوسائل ، وفنون الذرائع ، حتى أتمكّن من الرّقاد ثاني ليلة ، ولكن لم يكن في الحقيقة من وسيلة تنفع ، ولا من ذريعة تنجع ، لأنّ العلة هي شدة الحر ، وعدم اعتيادي مثل هذا الجو ، وقد يقال : إنّ فؤاد بك حمزة هو لبناني مثلي ، وبلدته مصيف شهير وهي عبية ، ولم يتعوّد جسمه الحرارة ، ولكن بيني وبين فؤاد بك حمزة فرق ثلاثين سنة ، فقوة المقاومة التي عنده ليست عندي ، ولذلك لم يتمكّنوا في الليلة التالية برغم جميع الوسائل من أن يجعلوني أنام ، وخسر فؤاد بك المعركة ، والحقيقة أنّ الدائرة إنما كانت تدور عليّ وحدي ، لأنّي أنا الذي لم يكن ينام . ولما وصل الخبر عما أعانيه إلى جلالة الملك [ عبد العزيز ] - بمكان ذلك الأسد من الجمع بين الأضداد ، من الصلابة والشمم ، والحنو